القرطبي
363
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ( 11 ) عبارة عن إلقاء الله تعالى النوم عليهم . وهذه من فصيحات القرآن التي أقرت العرب بالقصور عن الاتيان بمثله . قال الزجاج : أي منعناهم عن أن يسمعوا ، لان النائم إذا سمع انتبه . وقال ابن عباس : ضربنا على آذانهم بالنوم ، أي سددنا آذانهم عن نفوذ الأصوات إليها . وقيل : المعنى " فضربنا على آذانهم " أي فاستجبنا دعاءهم ، وصرفنا عنهم شر قومهم ، وأنمناهم . والمعنى كله متقارب . وقال قطرب : هذا كقول العرب ضرب الأمير على يد الرعية إذا منعهم الفساد ، وضرب السيد على يد عبده المأذون له في التجارة إذا منعه من التصرف . قال الأسود بن يعفر وكان ضريرا : ومن الحوادث لا أبالك أنني * ضربت على الأرض بالأسداد ( 1 ) وأما تخصيص الاذان بالذكر فلأنها الجارحة التي منها عظم فساد النوم ، وقلما ينقطع نوم نائم إلا من جهة أذنه ، ولا يستحكم نوم إلا من تعطل السمع . ومن ذكر الاذن في النوم قوله صلى الله عليه وسلم : ( ذاك رجل بال الشيطان في أذنه ) خرجه الصحيح . أشار عليه السلام إلى رجل طويل النوم ، لا يقوم الليل . و " عددا " نعت للسنين ، أي معدودة ، والقصد به العبارة عن التكثير ، لان القليل لا يحتاج إلى عدد لأنه قد عرف . والعد المصدر ، والعدد اسم المعدود كالنفض والخبط . وقال أبو عبيدة : " عددا " نصب على المصدر . ثم قال قوم : بين الله تعالى عدد تلك السنين من بعد فقال : " ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا " . قوله تعالى : ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا ( 12 ) قوله تعالى : ( ثم بعثناهم ) أي من بعد نومهم . ويقال لمن أحيى أو أقيم من نومه : مبعوث ، لأنه كان ممنوعا من الانبعاث والتصرف .
--> ( 1 ) واحد الأسداد : سد ، وهو ذهاب البصر ، يقول : سدت على الطريق ، أي عميت على مذاهبي .